يحيي بن حمزة العلوي اليمني

71

الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز

الفصل السابع في بيان [ الالتفات ] اعلم أن الالتفات من أجل علوم البلاغة وهو أمير جنودها ، والواسطة في قلائدها وعقودها ، وسمى بذلك أخذا له من التفات الإنسان يمينا وشمالا ، فتارة يقبل بوجهه وتارة كذا ، وتارة كذا ، فهكذا حال هذا النوع من علم المعاني ، فإنه في الكلام ينتقل من صيغة إلى صيغة ، ومن خطاب إلى غيبة ، ومن غيبة إلى خطاب إلى غير ذلك من أنواع الالتفات ، كما سنوضحه ، وقد يلقب بشجاعة العربية ، والسبب في تلقيبه بذلك ، هو أن الشجاعة هي الإقدام ، والرجل إذا كان شجاعا فإنه يرد الموارد الصعبة ، ويقتحم الورط العظيمة حيث لا يردها غيره ، ولا يقتحمها سواه ، ولا شك أن الالتفات مخصوص بهذه اللغة العربية دون غيرها ، ومعناه في مصطلح علماء البلاغة ، هو العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب آخر مخالف للأول ، وهذا أحسن من قولنا : هو العدول من غيبة إلى خطاب ، ومن خطاب إلى غيبة ؛ لأن الأول يعم سائر الالتفاتات كلها ، والحد الثاني إنما هو مقصور ، على الغيبة والخطاب لا غير ، ولا شك أن الالتفات قد يكون من الماضي إلى المضارع ، وقد يكون على عكس ذلك ، فلهذا كان الحد الأول هو أقوى دون غيره ، فإذا عرفت هذا فاعلم أن لعلماء البلاغة في الوجه الذي لأجله دخل الالتفات في الكلام أقوالا ثلاثة ، فالقول الأول وهو الذي عول عليه ابن الأثير ، وحاصل ما قاله هو أنه لا يختص بضابط يجمعه ، ولكنه يكون على حسب مواقعه في البلاغة ، وموارده في الخطاب ، وآل كلامه إلى أن الناظر إنما يعرف حسن مواقع الالتفات إذا نظر في كل موضع يكون فيه الالتفات ، فيعرف قدر بلاغته بالإضافة إلى ذلك الموقع بعينه ، فأما أن يكون مضبوطا بضابط واحد فلا وجه له ، هذا ملخص كلامه بعد حذف أكثر فضلاته . القول الثاني محكى عن بعض من خاض في علوم البيان ، وتقرير ما قاله : هو أن ذلك من عادة العرب وأساليبها في الكلام ، وزيّف ابن الأثير هذه المقالة ، وقال هذا التعليل هو مثل عكاز العميان ، وأراد بما قاله من عكّاز العميان ، هو أن عكاز الأعمى لا يسأل عن علة حاجته إليه ، فإن علة حاجته إليه ظاهرة لا تحتاج إلى بيان وكشف ، فكذا ما قالوه من تعليل ورود الالتفات بكونه أسلوبا من أساليب الكلام ، فإن كونه أسلوبا من أساليب الكلام ظاهر لا يحتاج إلى بيان ، وهو لعمري كما قاله ، فإن كلامه لا فائدة فيه .